الإقناع والتأثير

التكيف العصبي وسلطة الاعتقاد #نهاد_رجب

 

التكيف العصبي وسلطة الاعتقاد

جيلبرت العالم المشهور في مرة عمل بحث عن “هل احنا بنصدق الاول قبل مانحلل ولا بنحلل الاول قبل مانصدق” واكتشف جلبرت ان الاغلبية او يمكن كلنا بنصدق اولا ثم تأتي مرحلة التحليل .

بمعنى انا ممكن اقولك مثلا ان فيه نملة زرقا قتلت فيل

عقلك متنظم انه يصدق خلال مابتقرا الجملة لكن في نهاية الجملة بتبدأ عمليات التحليل والمنطق انها تبحث في صحة ودقه المعلومة وتنتهى ان الكلام ده غير صحيح لإن مفيش نملة زرقا تقدر تقتل فيل وان مفيش نملة زرقا ، بس في نفس اللحظة ديه بتتخيل اولا “نملة زرقا والشكل اللى ممكن تقتل بيه فيل”

كإني بقولك مثلا متفكرش في فيل ابيض ، هتفكر فيه لانك متقدرش وطبقا لجلبرت انك تمنع التصديق في البداية ، وده بسبب حدوثه بشكل لاواعي لا ارادي .

من هنا ممكن ننتقل لنقطة مهمة جدا الا وهي اخطر شعور انساني اتخلق ، كان من نصيب شعور الانتماء ، الانتماء لدين ، لوطن ، لفكر ، لجماعه ، لاعتقاد ، الخ …

النوع ده من الشعور بيتبني على اسس صلبة جدا بيكون صعب بعد كده هدمها الا بكسر شخصية او بتدمير معنوي للانسان صاحب الشعور وعلى الاغلب بيرجعله تاني . وبناء الشعور بيكون بنفس الطريقة وبيتكون من افكار ومعتقدات مرتبطة بجماعه او بمنهج .

بيتحول الانسان من مدافع عن صحة معلومات لمدافع عن نفسه .. لان الانتماء بيتحول لشخصيته ، لكيانه الشخصي ، وأي تهديد في صحة ودقة الشىء اللى هو منتمي ليه ، فده معناه تهديد ليه هو شخصيا ، فبيحارب الناس وممكن يقتل اقرب الناس ليه لمجرد انه يدافع عن شخصه وحياته المتمثلة في الشىء اللى هو منتمي ليه .

الاغرب من كده انه لو حارب من اجل انتماءه وقتل اقرب الناس ليه ، بيكون مبسوط وسعيد ومنتصر ومعندوش ذرة ندم او تأنيب ضمير لانه في نفس اللحظة ديه عنده وعيين ..

وعي بيقول انه بيدافع عن المعلومات والحق
ووعى تاني اقوى بيقول انه بيدافع عن نفسه وبيحمي نفسه من الم اكبر او نبذ مجتمعي وغيره .

فتبدأ جماعات ارهابية تظهر بدعوى الدفاع عن الدين زي داعش مثلا وامثالها ، ومع النية السليمة والهدف النبيل ، لكن العنف بيبدأ مع التطرف في تطبيق احكامهم ، احكام دونها الدماء ، وبيتحول الموضوع من دفاع عن الدين ونصرة ليه لدفاع عن النفس وحماية مايمثلهم ..

لما كنت بشوف الوف بينضموا لجماعات ارهابية يوميا مكنتش بستغرب ، الانسان بالفطرة بيتولد وبيدور دايما على حاجتين .. اولهم مجتمع ينتمي ليه وافكار يعتنقها وثانيهم شىء بيحققله تقدير الذات ويسكن الصوت الداخلي اللى بيقوله “انت اتخلقت ليه” ، وكانت البداية في الانتماء لشىء يستخدم العاطفة والمشاعر في جذب الشباب مع توجيهات مباشرة او غير مباشرة ، بيتخلق في اللحظة ديه جيش كامل جاهز انه يدافع عن ما ينتمى اليه .. بوعي “الدفاع عن الحق”

للأسف الموضوع مبيقفش عند الجماعات الارهابية ، الانتماء ممكن يكون للوطن ، وده من اشرف الانتماء ، انك تنتمى لوطنك ، الظاهر للمشهد ده ان ده شىء جميل وهايل ونبيل لكن بيمر بنفس التحديات الخاصة بأي نوع تاني من الانتماء ، برضه المنتمى لوطنه يقدر يقتل اقرب الناس ليه لو اتعارض مع افكاره الخاصة بالوطن .

والانتماء للدين ، والانتماء للاشخاص .

فبيكون شبه مستحيل مثلا انك تروح لشخص وتقوله انت افكارك غلط حتى لو اديتله براهين وحجج تسد عين الشمس انك على حق ، بمنتهى البساطة لحاجتين ، اولهم التكيف العصبي للفكرة المنتمى اليها ، وثانيهم سلطة المعتقد .. بعض الاشخاص معتقدين انهم ممكن يروحوا لفلان ويقنعوه مثلا ان الشىء اللى بقاله فترة مقتنع بيه غلط ، وبيجهزوا كلام محكم جدا وبيعرضوه وبيكتشفوا انه مبيتأثرش وبيهاجمهم فبيتصدموا فيه ، الحقيقة هنا ان الانسان لما يكون فكرة او اعتقاد ، بتمر مرحلة التكوين على اكتر من مرخلة الى ان تنتهى انه تكون جزء من تكيفه العصبي ، جزء لا يتجزأ من شخصيته ومن افكاره وبتكون في نفس مرتبه ايده او عينه او رجله .

مش بس كده ، نفس الشخص ده بيقع في مشكلة رهيبة الا وهي سلطة المعتقد عليه هو شخصيا ، يعني المعتقد بيتحول من فكرة لمعتقد لوحش مسيطر بيتحكم في حياة نفس الشخص وبيوجهه ، شيطانه ، نفس الشخص بيكون صعب انه يتخلص منه الا بعد محاولات مضنية وبيفضل تأثيره مستمر لفترة طويلة .

سيدنا ابراهيم عليه السلام لما قال لقومه انه سقيم “مطعون” والناس هربت منه ، راح للأصنام وكان قدامها اكل وشرب “قرابين” فقالهم كلوا ، الا تأكلون ؟ مالكم لا تنطقون ؟ فمسك الالهة وكسرها وساب كبير الالهة ولما جاء قومه وسألوه انت اللى كسرت الالهة بتاعتنا ؟

رد عليهم رد مفحم جدا وكان منطقيا المفروض يخليهم يسجدوا كلهم لرب ابراهيم ، بمنتهى البساطة قالهم اسألوا كبيرهم وهو يقولكم .. وكانت حجة قوية ان الصنم مش هيتكلم وبالتالي هو مش اله ولا يستحق العبادة ، ومع ذلك رموه في النار ، وطلع سيدنا ابراهيم من النار بردا وسلاما عليه ، متأذاش ، ومع قوة المعجزة ، برضه قومه استمروا في عبادة الاصنام !!!!!

تكيفهم عصبيا مع ما يؤمنوا بيه وتسلط المعتقدات عليهم منعتهم حرفيا من رؤية شىء بالوضوح ده ..

لما الانسان بيكره شخص ، بيبدأ يشوف اي شىء خير بيعمله الشخص ده على انه شر وخبث ولئم ولو كان بيحب شخص ومعتقد فيه بيبدأ يشوفه ملاك ويبرر كل افعاله اين كانت صح او خطأ .

برترام فورر ، العالم الشهير ، عمل تجربة علشان يشوف الى اي مدى ممكن الانسان يوصله لو صدق واعتقد في شىء او شخص ، (طبعا ستانلي ميلجرام وفيليب زيمباردوا عملوا نفس التجارب) برترام فورر اتكلم عن مايسمى بالقراءة الباردة او بالمصري “قراية الطالع” ولقى ان اللى بيحصل الاتي ..

بيبدأ المتخصص يتكلم مع الضحية في معلومات عامة عن ماضيه او حياته علشان يبني ألفة .. على سبيل المثال بيقوله “انت وانت صغير حصلك مشكلة في البيت ، او حصلتلك حدثة .. الخ” ومعلومات طبيعي انها تحصل لكل شخص فينا ..

ومعلومة بعد التانية بيبدأ المتخصص في قراية الطالع يتعمق اكتر واكتر في تفاصيل المعلومات علشان يختبر الضحية ..

مع الوقت الضحية بيبدأ يصدق في كلام المتخصص وفي تخصصه ، لكن الموضوع مبيقفش هنا ، الغريب في الموضوع ان مع اعتقاد الشخص وتكيفه العصبي بيبدا الضحية يبرر اخطاء المتخصص ويغلط نفسه هو شخصيا ويصدق المتخصص .. وبيوصل المتخصص لمرحلة انه يقدر يوجه الضحية بمنتهى البساطة لأي شىء وكل ده لانه كان صح في معلومة او اتنين تصادف انه كان يعرفهم او قدر يستنبطهم .

وطبعا الكلام كتير عن تجارب تانية فيما يخص التكيف العصبي او سلطة المعتقد ، لكن في النهاية لو فيه حاجة اقدر اوجهك ليها فهي انك تناقش نفسك في كل معتقد انت مؤمن بيه واسال نفسك :

– هل المعتقد او الشىء اللى انا منتمى ليه ، هو الصحيح ام ممكن الحقيقة تكون موجودة في مكان تاني ؟
– هل انا بدافع عن انتمائي بعنف وبغضب ام بحكمه وبالحجة ؟
– هل انا بقبل انتقاد معتقداتي وما انا منتمى ليه ، ام لا؟

سنة 2005 نشرت USATODAY خبر عن انتحار 1500 خروف في تركيا ! بدأ الامر بخروف نط من فوق تله كبيرة ، لسبب ما رمى نفسه ، وباقي الخرفان اللى كانوا في نفس المكان اتبعوه ورموا نفسهم بدون اي تفكير ، ده نفس اللى بيحصل لبعض الاشخص لما ينتموا لفكر او منهج وقائد المنهج يبدأ يتصرف ويقلدوه في كل شىء صح كان او غلط

متبقاش سهل ومتخليش حد يوجهك ، الموضوع مش محتاج اكتر من استثارة عاطفة ، واقناع بسيط و توجيه علشان تمسك سلاح وتدافع بحياتك في سبيل ما انت منتمى ليه .

خد بالك .

من دبلومة التنويم الضمني ، سوسة ، تونس

أخوكم
‫#‏نهاد_رج

مقالات مرتبطة

كيف تسأل وتحصل على الإجابات التي تريدها ! لـ نهاد ...
views 5941
التحدث عن فنون الإقناع والتأثير النفسي دائما ما يثير إعجاب الناس ، ليس فقط لأنك تجد مجموعه من التقنيات القوية والتي يمكنك إستخدامها بسهولة ولكنك أيضا ...
الالغاء والافتراضات في زرع الافكار والتوجيه بالتنو...
views 798
  خد بالك من اللقطة الجاية : عايزك تقرى اللقطة ديه بعناية وتتخيل اي حاجة " أ : شوفت ياعم الي حصل ؟ امبارح قفشت سعيد وسعاد مع بعض (مع غمزة)...
عايز تنيم حد ضمنيا؟ ثبتة
views 1494
  بيقولوا ان التنويم الايحائي صعب ، وان الواحد لو نام ممكن يقول اسرار خطيرة المفروض ميقولهاش ، او انه ممكن يموت او يدخل في غيبوبة ، او ينسى مثلا...
فن الاقناع النفسى بالتنويم الضمنى وكسر المعارضة...
views 909
  كسر المعارضة . خليني اختبر سرعة بديهتك ، هقولك حاجة ومن اجابتك هتعرف حاجة جديدة النهاردة .. لما اقولك : 3 + 3 ... اغلب الظن انك هتقول...
الإقناع بكسر الشخصية
views 1577
كسر الشخصية هي طريقة مستخدمة لهدم شخصية شخص ما او كينونة مجموعة من الاشخاص .. والطريقة ديه ببساطة بتخليك تقدر تخلي اكثر الاشخاص صعوبة بيقع وبيتكسر ...
وأدى ولاعة هنا للأستاذ
views 730
من فترة كتبت ان الاقتراحات هي اقوى حاجة ممكن تضعفك ، او تقويك ، او تخوفك او تمنيك او تطمنك وتهديك ، الاقتراحات هي مجموعة من الايحاءات المباشرة او غير ...
زرع الافكار: زرع ذكرى وهمية 2...
views 1241
  هي لعبة بسيطة ، بس جربها مع الناس وهتعجبك ، لعبة من العاب التنويم الضمني ، وزي مانتوا عارفين واحتمال تكونوا سمعتوا عن ان التنويم الضمني متخصص ...
تقنية الاقناع بالارباك والقولبة #نهاد_رجب...
views 1198
  اقناع وتأثير نفسي من أكتر الاعلانات اللى بحب فكرتها هي اعلانات PicPac الاعلان بالكامل بيستخدم تقنيه نفسة من تقنيات التنويم الضمني بتعتمد على...
كيف يقتنع الناس ؟ 7 أسرار غريبة لإقناع الناس نفسيا...
views 10418
  هذه المقالة مختلفة وتحتاج منك أن تقرأها بعناية وبروقان ...   قد يكون الإقناع من وجهه نظر الجميع هو عبارة عن عملية يتبادل فيها طرفان أو أك...
التنويم الضمنى- تقنية الربط المزدوج والربط الوهمى...
views 1540
  تحب تقرى المقالة ديه للآخر ولا تقراها كلها وبعد كده تكملها للآخر ؟؟ بلاش ديه تاخد الكيس الاسمر ولا الاسود ؟ بلاش ديه تحب تروح السينما نتفر...

Leave a Comment